أحمد مصطفى المراغي

135

تفسير المراغي

شق القميص إلا أنا لا ندري أيّكما كان قدام صاحبه ، فإن كان شق القميص من قدام فصدقت في دعواها أنه أراد بها سوءا ، إذ الذي يقبله العقل أنه لما وثب عليها أخذت بتلابيبه فجاذبها فانقدّ قميصه وهما يتنازعان ويتصارعان ، وهو من الكاذبين في دعواه أنها راودته فامتنع وفرّ هاربا فتبعته وجذبته تريد إرجاعه ، وإن كان قميصه قدّ من الخلف فكذبت في دعواها أنه هجم عليها يريد ضربها ، وهو من الصادقين في قوله : أنه فرّ هاربا منها . روى أن هذا الشاهد كان صبيا في المهد وأيدوه بما نقل عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « تكلم أربعة وهم صغار : ابن ماشطة فرعون ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريج ، وعيسى ابن مريم » وما روى عن أبي هريرة قال « عيسى بن مريم وصاحب يوسف وصاحب جريج تكلموا في المهد » وهذا موقوف لا يصلح الاحتجاج به ، والأول قد ضعفه رجال الحديث ، إلا أنه لو نطق الطفل بهذا لكان قوله كافيا في تفنيد زعمها دون حاجة إلى الاستدلال بتمزيق القميص ، لأنه من الدلائل الظنية ، وكلامه في المهد من الدلائل اليقينية ، وأيضا لو كان كذلك لما كان هناك داع إلى قوله : من أهلها الذي ينفى التحامل عليها ويمنع إرادة الضر بها ، وأيضا فإن لفظ ( الشاهد ) لا يقع عرفا إلا على من تقدمت معرفته لما يشهد وإحاطته به . ( فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) أي فلما نظر إلى القميص ورأى الشق من الخلف أيقن بصدق قوله واعتقد كذبها ، وقال إن هذا محاولة للتنصل من جرمها باتهامها له بضروب الكيد المعروفة عن النساء ، فهو سنة عامة فيهن ، فهن يجتهدن في التبري من خطاياهن ما وجدن إلى ذلك سبيلا ، وكيد النساء عظيم لا قبل للرجال به ، ولا يفطنون لحيلهن حتى يدفعوها قدر المستطاع ، ولا شك أن هذه شهادة من قريب لها لا يتهم بالتحامل عليها ولا بظلمها وتجريحها برميها بما هي منه براء . ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ) أي يا يوسف